الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
428
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
والتقييد بالشرعي لإخراج الحكم العقلي من الإباحة أو الحظر العقليين فإن رفعه لا يعد نسخا بل لو حكم الشارع بالإباحة أو الحظر قبل ورود البيان من الشرع لم يعد بيان خلافه نسخا إذ ليس فيه رفع للحكم الأول بل تغيير لموضوعه وربما يجري ذلك في الأول أيضا نعم لو حكم الشرع بإباحته مطلقا ثم رفعه اندراج في النسخ قطعا ويجري ما ظناه وفي الحظر الحاصل بسبب البدعة لعدم تشريع الحكم وإن حكم به الشارع أيضا فإن رفعه تشريعه لا يعد نسخا وقولنا بدليل شرعي يراد به أن يكون الرافع للحكم هو الدليل الشرعي القائم عليه لأمر آخر من عارض يقضي به قوله ويتعين الطهارة إلى التيمم الرافع لحكم المائية وإن كان ثبوت الحكم الثاني لقيام الدليل الشرعي عليه ومن ذلك طرد العجز عن أداء المأمور به والنوم والجنون ونحوها الرافع للتكليف الثابت على المكلف وإن دل الشرع عليه إذ ليس الدال على ذلك رافعا للحكم الأول بل يثبت به حكم ذلك العارض وهو ثابت مع ثبوت أصل الحكم ورفع الحكم حينئذ إنما يتسبب عن ذلك العارض فاعتبر في الحد كون الرافع نفس الدليل القاضي بالرفع لا أمر آخر ليخرج عنه ارتفاع الحكم بالمذكورات فإنه لا يعد نسخا وجعل في النهاية إخراج رفع الحكم بالنوم والغفلة ونحوه من جهة التقييد بالشرعي حيث إن رفع الحكم هناك بالدليل العقلي وفيه ما لا يخفى وأورد عليه في المنية بأن رفع الحكم بالعجز لا يجب إخراجه عن حد النسخ إلا إذا لم يكن نسخا وهو ممنوع وقد اعترف المصنف فيما تقدم جواز النسخ والتخصيص بالعقل سلمنا لكن لا يخرج بالقيد المذكور لأن دلالة العقل عليه لا يمنع من دلالة الشرع وهو ظاهر من قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفيها أن القول بكون رفع الحكم بالعجز نسخا بين الفساد ضرورة أن كون العجز رافعا أمر ظاهر حين صدور الخطاب فأصل التكليف بالفعل معا ببقاء القدرة عليه ومثل ذلك كيف يمكن عده نسخا غاية الأمر أن يورد على المصنف أن حمله الدليل الشرعي على ما يقابل العقلي يقضي بعدم كون العقل ناسخا وهو ينافي ما قرره إذ لا جواز من كون العقل ناسخا ثم إن قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ليس ناسخا للخطابات المطلقة وإنما هو مبين لعدم شمولها حال العجز والتحقيق أن العقل أو النقل القاضي بكون التكليف مشروطة بالعقل والقدرة والشعور ونحو ذلك أدلة مبنية للواقع وليست واقعة لشيء من التكاليف والرفع هناك إنما يستند إلى طرو تلك الحالات بعد ثبوت التكليف على المكلف فإنه الذي يرفع عنه التكليف الثابت عليه فالأدلة الدالة على اشتراط التكليف بانتفاء تلك الأمور ليست رافعة لأمر ثابت وما يرفع الأمر الثابت من طور تلك الحالات بعد تعلق التكليف ليس دليلا حسبما قررناه سواء كان الدليل على بعثهما على الرفع العقل والنقل والتقييد بقوله متأخر عنه للاحتراز عما يقضي بارتفاع الحكم مما تعادل الدليل على الثبوت من استثناء وشرط وصفة ونحوهما فإنه لا يعد ذلك نسخا وفيه أن تلك القيود أمور مبنية للمقصود وليست رافعة للحكم الثابت ففيها رفع للدلالة لا رفع للمدلول فهي إذن خارجة من الجنس كيف ولو بني على شمول الرفع لمثل ذلك فالبعد المذكور غير كاف في إفادة المقصود لاندراج التخصيص بالمنفصل إذن في النسخ فلا يكون الحد مانعا فلو رفع ذلك بكونه ثابتا ودفعا لا رفعا فهو جائز في المتصل بالأولى أيضا بأن قيد التأخر لا يخرج شيئا من المذكورات فإنها تقع متأخرة غاية الأمر أن لا يقع متراخية عن الأول ولا دلالة في التأخر على التراخي ويدفعه أنها مع الاتصال قصد مقارنة للخطاب حسبما نصوا عليه في بحث العام والخاص المتعارضين والتقييد بالأخير لإخراج ما لا يكون الحكم الأول مقتضيا للبقاء كما إذا أمره بفعل فأتي به ثم نهاه عن ذلك الفعل فإنه لا يقتضي لبقاء ذلك التكليف بعد أدائه إذ لا دلالة له في الأمر على التكرار فلا يكون الحكم بخلافه نسخا للأمر المفروض وبعضهم قوله هذا القيد مخرجا للموقت إذا ورد الحكم بخلافه عند مضي وقته فإنه لا يعد نسخا لعدم شمول الحكم الأول لما بعد الوجوب وضعف الوجهين ظاهر أما الأول فلظهور أنه مع عدم دلالة الأمر على التكرار لا يشمل الحكم المذكور ما بعد الفعل ويسقط بالإتيان به فلا أمر حتى يرتفع بالنهي المتأخر إذ لا يعقل ارتفاع غير الثابت وأما الثاني فالحال فيه أوضح ضرورة ارتفاع الحكم بمضي وقته فلا يكون النهي المتأخر ناسخا نعم لو قيل ببقاء التكليف بعد فوات الوقت على ما ذهب إليه شاذ صح القول بارتفاعه إلا أنه حينئذ لا يخرج عن القيد المذكور ثم إن أخذ الرفع جنسا في الحد المذكور مبني على كون النسخ رفعا للحكم كما هو المختار عند جماعة وحكي القول به عن القاضي أبي بكر والمختار عند بعضهم عدم كونه رفعا وإنما هو بيان لانتهاء هذا الحكم والحكم إنما ينتهي بنفسه وحكي القول به عن الأستاذ أبي إسحاق وأسنده المستفيضي إلى الفقهاء فإطلاق الرفع عليه حينئذ على سبيل المجاز ويدل على الأول أن الظاهر من لفظ النسخ الإزالة فلا بد من حمله على ظاهره وكذا الظاهر من الحكم الأول الدوام والاستمرار فيكون الحكم بخلافه مزيلا له رافعا لمقتضاه إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك ويمكن الإيراد في المقام بأنه إن أريد بكونه مزيلا له بحسب الواقع بأن يكون الحكم ثابتا في الواقع أولا على وجه الدوام ثم برفعه طريان الناسخ فهو مما لا وجه له لأنه أما كون حكم الشارع به على وجه الدوام على وفق المصلحة المقتضية لذلك فلا يمكن إذن دفع ذلك الحكم بخلافه وإن لم يقتض المصلحة ذلك على الوجه المذكور لم يمكن تشريعه على وجه الدوام بحسب الواقع وإن لم يكن مانع من إبرازه على صورة الدوام لنقض المصالح نعم يمكن في حق غيره تعالى ممن يتصور في شأنه الجهل بالواقع أن يرى المصلحة في الحكم به في وجه الدوام ثم تبين له بعد ذلك خلافه فيزيل ذلك الحكم وهو محال في شأنه تعالى وإن أريد به كونه مزيلا له في الظاهر بيانا لانتهاء الحكم بحسب الواقع فتبين بملاحظة الناسخ أن ما حكم به كان معينا في الواقع بالغاية المفروضة غير متجاوز عن تلك النهاية وإن أبرز الحكم أولا في الصورة الدوام لبعض المصالح فهو كالتخصيص بالمنفصل الوارد على العموم حيث إن ظاهر اللفظ عموم الحكم فتبين بملاحظة المخصص كون ذلك الظاهر غير مراد وإن المراد بالعام بحسب الحقيقة هو الباقي فيكون النسخ إذن قرينة منفصلة دالة على أن المراد بما دل على استقرار المنسوخ خلاف ظاهره مبنية لما هو المقصود عنه كما أن التخصيص كذلك ولذا قيل إن النسخ نحو من التخصيص فإنه